منير سلطان

152

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

كما أنك ترى الرجل قد تهدّى في الأصباغ التي عمل منها الصورة والنقش في ثوبه الذي نسج ، إلى ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ وفي مواقعها ومقاديرها ، وكيفية مزجه لها وترتيبه إياهم ، إلى ما لم يتهدّ اليه صاحبه فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب وصورته أغرب ، كذلك حال الشاعر والشاعر في توخيمها معاني النحو ووجوهه ، التي علمت أنها محصول « النظم » « 1 » . فليست القضية ألفاظا تنظم ولكنها أنماط من التأثير النفسي على القارئ أو المستمع يتوخى فيه الناظم أقرب المسالك وأوضحها إلى صوغ الجمال بتفهم مقاديره ومواقعه وكيفية نسجه وترتيبه ومن ثم يضمن التأثير الكامل والفوز عند قارئه أو مستمعه . وفي كتاب « أسرار البلاغة » يستند الجرجاني إلى هذا الجانب استنادا قويا حين يتكلم عن التشبيه والتمثيل والاستعارة ، أو بمعنى أدق حين يتكلم عن الصياغة والتصوير والجمال ، أي حين يتكلم عن المنزع النفسي في فن البلاغة « 2 » . ومن الشواهد على هذا المنزع النفسي عنده تحليله لأبيات : ولمّا قضينا من منى كلّ حاجة : * ومسّح بالأركان من هو ماسح « 3 » وإذا رجعنا إلى تحليل ناقد كابن قتيبة لهذه الأبيات « 4 » أو لأبى هلال العسكري الذي يسوقها دليلا على أن مدار البلاغة على تحسين اللفظ « 5 » عرفنا الفرق الشاسع بين هذين التحليلين ، وما ذهب إليه الجرجاني في تقصيه الجوانب النفسية وتعقبه المشاعر والخلجات التي أحسها الشاعر وأراد أن ينقلها الينا . وفي الأسرار أمثلة عديدة يعرفها من قرأ الكتاب ، يقول الأستاذ خلف اللّه عن المنزع النفساني عند الجرجاني « وهذه النظرية التأثيرية في جودة الأدب ، جزء من

--> ( 1 ) الجرجاني - الدلائل - 61 . ( 2 ) الجرجاني - أسرار البلاغة - 3 . ( 3 ) نفس المصدر - 15 و 16 . ( 4 ) ابن قتيبة - الشعر والشعراء - 11 . ( 5 ) أبو هلال العسكري - الصناعتين - 58 .